تاريخ نشاة العلاج النفسي

تاريخ و نشاة العلاج النفسي و تطوره

ظهر العلاج النفسي منذ القديم في الحضارات العريقة كالبابلية والصينية والرومانية والهندية. كان حوالي 3000 ثلاثة آلاف قبل الميلاد يعتقد أن الأمراض النفسية والعقلية تعود لقوى خفية أسبابها تأثير من الأرواح الشريرة أو من الجن، وبالتالي كان العلاج بطرق بدائية كثقب الجمجمة الإخراج الأرواح الشريرة والجروح والكي والتعذيب والسحر في الماضي كان هو الطب وحتى لغويا يقال طب أي سحر والعكس صحيح.

فظهر العديد من السحرة والمشعوذين مدعين أن لديهم القدرة على العلاج النفسي وكان رجال الدين هم المسيطرين إذ يأخذون المريض إلى المعبد ليتطهر من ذنوبه ويعود الأمان والسلام والطمأنينة إلى حياته.

و أثبتت المخطوطات التي وجدت على ورق البردي ( 1500ق م) أن علاج الامراض النفسية والجسمية كان يمارس في تلك الفترة الزمنية وأشاروا إلى العلاقة بين النفس والجسد وميزوا بين المفحوصين إلا أنهم لم يشيروا إلى الفرق بين العصاب والذهان.

تاريخ العلاج النفسي عند اليونانيين

في عهد اليونان كان العلاج النفسي يعتمد على طلي الجسم بالزيت وتجنب تناول الأطعمة الحيوانية والاغتسال وارتداء ملابس فضفاضة خالية من العقد والازرار والإيمان بتعاليم الدين وثبات العقيدة وكان اليونانيون يقومون كذلك بالعلاج الجماعي إذ يجمعون المرضى داخل معبد حيث كانت تقدم القرابين والهدايا ويغتسل المرضى بماء المعبد المقدس ويستمعون إلى إرشادات ومواعظ وحكم ويصلون ويتوسلون الشفاء من الآلهة و قام بعض الكهنة بعلاج بعض الأمراض كالصرع والهستريا والجنون إذ كانت تفسر في تلك الفترة الامراض غير مفهوم لديهم أنه بسبب رباني أو مس من الجن أو تأثير الأرواح الشريرة .

وحاول أبي قراط الخرافات القديمة والسحر ووضع بعض الأسس للعلاج كان أهمها العلاج بالموسيقى والعلاج الديني كما أشاد أفلاطون في عام 380 ق م في مدينته الفاضلة أي تأثير القيم والخير والجمال والحق في صحة النفس كما نصح بعزل المرضى.

تاريخ العلاج النفسي عند اليهود

أما في عصر اليهود والذي تشبع بالأمور الدينية وظهور الأنبياء والحكماء والمبشرين الذين يركزون على الشعور الديني القوي دون الخرافات، ومن ذلك مذكرة داوود الأنطاكي في العلاج النفسي الطبي. العلاج بالأعشاب والعقاقير وكان الاعتقاد السائد لدى اليهود أن إلاه قادر على كل شئ بيده الصحة والمرض والحياة والموت وهو لا يؤذي أحدا لكنه يعاقب المذنبين على عصيانهم فيصيبهم بالجنون والهستريا والعمى كما يصيبهم بغيرة القلب (لفظ القلب وعدم انتظام نبضه (سفر تثنية) صحاح رقم 28 ، فالذنوب هي أسباب المرض ويقول الإله يناتان أن المرض يأتي من 7 أبواب هي:

الشتم والغضب والانفعال ،سفك الدماء ، عدم العفة والشره ، الغرور ، السرقة ، الحسد ، الحنث باليمين والشعور بالإثم .كما كانون يفسرون إصابة المجتمع بالامراض الجسدية الفتاكة مثل وباء كالكوليرا والطاعون على أنها عقوبة جماعية ربانية.

العلاج النفسي في العصور المسيحية:

نشأ المسيح بين اليهود ووجد أنهم قد أضاعوا التعاليم ومرض الناس نفسيا وقام بإرشادهم حتى عاد الكثير منهم إلى الشعور بالراحة والصحة ويذكر القرآن أن المسيح عليه السلام أبرئ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله معجزة له ودليلا على صحة رسالته وأشار إنجيل مرقس ومتى ويوحنا و برنابة إلى العلاج العلاج النفسي التي قام بها المسيح في حالات الصرع والهستريا والخوف والوسواس معتمدا على قوة الإيمان وقوة شخصية المعالج ، وقد كان للمسيح عددا من التلاميذ المهرة في العلاج 12 تلميذا أمهرهم بتروس .و يذكر بيار جيانيه أن العلاج بالكرامة كانت تتبع في فرنسا عند مقبرة القديس ميدارد.

نشاة العلاج النفسي عند العرب في الجاهلية وصدر الإسلام:

يذكر في كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة أنه قد نبغ عدد من الأطباء في بلاد العرب قبل الإسلام ابن حزم والنضر بن حرث الذي كان طبيبا ماهرا لكسرى ابشروان ، واعتمد بن حرث على العلاج بالكي لكل من العالج علاج حالات آلام الظهر ،وكذلك الطريقة الفيزيقية كالتدفئة أو الاغتسال بالماء البارد أو التعرق.

كما أن العرب في الجاهلية آمنوا بالرقي والتمائم والأحجار التي تؤثر في الآخرين ضد العدوان والحسد والحقد والغيض ضف إلى ذلك حفلات التبرك وجلسات العلاج بالأرواح والاستخارة .

و لما جاء الإسلام قضى على العديد من هذه الأنواع من العلاجات ،إلا أنها ما زالت إلى يومنا هذا العديد منها إذ أن الإيحاء هو سبيل للشفاء باستخدام الوسائل السابقة الذكر وهذا ما يتوافق مع مفهوم الذات من خلال الإيحاء الذاتي الذي يغير من أفكار الشخص وتصوراته ويعبر عن إحساسه ومشاعره نحو نفسه ما يجعله يسلك سلوكا آخر يؤدي به إلى الشفاء في أغلب الأحيان.

واعتمد المسلمون على العلاج بالقرآن وأهم ما نستطيع قوله أن القرآن جاء شفاء النفوس والآيات التالية تبين شفاء الإنسان من خلال القرآن فهو دستور من الخالق أراح به خلقه وهو أدرى بهم وهذه الآيات منها (شفاء لما في الصدور ) سورة يونس فيه شفاء للناس (سورة النحل) و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين” سورة الإسراء. “و إذا مرضت فهو يشفيني” سورة الشعراء.. يشفي صدور قوم مؤمنين” سورة التوبة.

وفي هذا المجال يرى د .عز الدين اسماعيل في كتابه نصوص قرآنية في النفس الإنسانية أن مقولة الحكيم الإغريقي “اعرف نفسك” ودعوة القرآن الكريم و في أنفسكم أفلا تبصرون” تسيران في مسار واحد وتستهدفان غاية واحدة ، إلا أن الأولى تحمل معيار خلافي عملي في الدنيا أما الثانية في الدنيا والآخرة.

و يشير كذلك د. عز الدين اسماعيل إلى أن القرآن الكريم يدعو الإنسان إلى التأمل في خلق نفسه والتعرف عليها فمن عرف نفسه عرف ربه ومن عرف ربه عمل ما يرضيه وأرضى به فمن بالسعادة في الدنيا والآخرة”.

نشاة العلاج النفسي عند الفلاسفة العرب:

اولا : أبو علي بن سينا :

في زمن ما كانت العلاجات كلها النفسية والجسمية، فعالج بالطلاسم وبطرق بدائية كانت الحضارة العربية في أوج عزها وظهر لدى العرب أطباء ورثوا تعليم أبي قراط  وجالينيوس وكانوا أساتذة في الطب الجسمي والنفسي على حد سواء، حيث اتبعوا طرقا علمية لا تقل أهمية أو منهجية عن الطرق المستخدمة في العصر الحاضر، بل قد تكون وبلا شك أساسا لها.

وفي المقدمة ابن سينا (980م -1037م) وهو أول من شجع على إقامة البوستانات (المصحة العقلية) مثل بیرستان هارون الرشيد ومحمد بن قلون وأبي جعفر المنصوره ، و كان ابن سينا يقوم بمقابلة مرضيه وعالج مرض الكآبة (السواء أو المنخوليا) الذي تحدث عن أعراضه المتمثلة في الظن بالآخرين، الشعور بالاضطهاد الخوف بلا سبب، سرعة الانفعال والغضب، الشعور بالاضطهاد الخوف بلا سبب، سرعة الانفعال والغضب، الدوار والكرب ،وعالج أيضا حالات الفوبيا (phobie) و فقدان الشهية العصبي Amorexie.

و نستخلص من كتابات ابن سينا (القانون في الطب، الشفا والإدراك الحسي والنجاة والإشادات والتنبيه) وغيرها أنه كان يستخدم الخطط العلاجية مرتكزة على الأسس التالية:

  • طريقة إيقاع المريض بمشکلات ومنازعات حادة. (العلاج بالقهر fleeding anxity) ).
  • محاولة اقناع المريض وتوضيح أسباب مشكلته وبأنها غير واقعية ولا تنفع في شئ.
  • العلاج بالكراهية والنفور Aversion therapie.
  • وضع المريض نحو الموسيقى والصيد واللعب ويقول ابن سينا ليس أضر على الإنسان من الفراغ والخلوة.
  • العلاج بالأعشاب وتركيب عينات منها على شكل أدوية عقاقير.

و ذكر ابن سينا في كتابه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق أن سبب المرض النفسي هو مرض الجزئين الشريفين العقل والقلب .

كما عالج ابن سينا الاضطرابات والأمراض السيكوسوماتية  كالتهاب المفاصل والقولون وفقدان الشهية للطعام وهو من لفت انتباه كل من الرازي والبرمكي إلى مريض الوهم Hypocondie .

وقد استخدم ابن سينا الروح مع مرضاه بالتواصل وبفن التواصل الجيد.

ثانيا : أبي حامد الغزالي:

وهو من مدينة طوس بخرسان وسمي بالغزالي لأنه كان يعمل بغزل النسيج  ، من مؤلفاته “إحياء علوم الدين، تهافت الفلاسفة، المنقذ من الضلال، مقاصد الفلاسفة .

و عانى الغزالي من أزمات نفسية متنوعة وحادة وعالج نفسه بنفسه وأدرك أهمية علاقة الجسد بالنفس وقال أن الإنسان بإمكانه إدراك ما لا تدركه حواسه وأشاد في كتابه إحياء علوم الدين إلى كيفية علاج الانحرافات السلوكية (الغضب والحسد، الرياء، البخل، العدوان، الخوف) ويرى أن الغضب أخطرها وعرفه على أنه غليان في الدم يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة وتغيرات في تركيبة الدم سموه الانتقام ويتبع بالندم والحسرة والعلة في البدن ويرى في العبادة استعادة التوازن.

فهو يعالجه بما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم “إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإن الغضب من النار” وفي قول آخر إذا غضب أحدكم فليجلس ، والانفعال عند الغزالي 3 مراتب:

– التفريط: وهو فقدان القدرة والطاقة حيث يفقد الإنسان الحماس والجرأة والطموح والذوق وهذا مفهوم عند العرب ويقول الإمام الشافعي من “استغضب ولم يغضب فهو حمار” ولقد وصف الله النبي وأصحابه بالشدة والقوة والجرأة “أشداء على الكفار رحماء بينهم”.

-الإفراط: حيث يرى أن تغلب معه الغضب على الإنسان تخرجه من سيادة عقله والاعتدال.

-الاعتدال أو الاتزان : وهو أساس الأخلاق الحميدة والاعتدال طهارة للعقل والقلب يغضب الإنسان مما يغضب ويتعامل معه حسب ما يستحقه الموقف ويتغاضى عن الصغائر التي لا يوجد للعقل الناضج منها محلا.

هذه الأبعاد التي تحدث عنها كاتل وكلغورد وايزنك حديثا ،وكان الغزالي يعالج مرضاه داخل المسجد بالوضوء، والصلاة والوعظ والتوجيه والإرشاد والدعاء وكان ماهرا في فهم مشكلات المريض و توفير الجوانب المناسبة للمقابلة، ويبحث في الأسباب العميقة والدفينة ويفسر أحلام المرضى و هو ما نعرفه اليوم بالتداعي الحر والاسترخاء والثقة المتبادلة والتفريغ الانفعالي وحتى العلاج الجماعي بالخطط العلاجية التالية:

  • التحذير من الانتقام الخوف من عقاب الله والتركيز على الضمير الأخلاقي والابتعاد عن الشعور بالذنب
  • التفكير في قبح صورة الانفعال والغضب وتشبيه صاحبه بالحيوان واعطاء نماذج ( وهذا ما هو موجود في البرمجة العصبية اللغوية) أو العلاج الطبي Shadeling therapie
  • استخدام كذلك التأمل في النفس والبحث عن الأهداف والطموحات والقدرات لتغير مجری التفكير وهذا هو ما تهدف له البرمجة العصبية ألا وهو التحكم بالذات .

العلاج النفسي المعاصر:

بدأ من خلال التنويم المغناطيسي الحيواني سنة 1778 من طرف (أنطوان فرنزمسمر A . F . Mesmer بدأت تاريخ العلاج النفسي والتحليل النفسي وهذا ما ذكره النسبورجر Elsknberger في كتابه في اكتشاف اللاشعور سنة 1974 إذ يتحدث عنه أحد تلاميذ مسمر في حالة “المشي أثناء النوم ” وكان Mesmer يعتقد أن الأفلاك والكواكب تؤثر بموجات مغناطيسية تؤثر على سلوك الإنسان ومزاجه وقد حاول Mesmer علاج العديد من حالات العصاب وقام الهندي دورمي سنة 1848 واستخدم التنويم بطريقة أحسن في علاج بعض الأمراض ثم ظهر برويد ثم شاركو وبيار جانيه وأخيرا ظهرت مدرسة فرويد للتحليل النفسي ثم أدلر ثم يونج و مما ساعد على تقدم حركة العلاج النفسي ظهور كل من القياس النفسي الاختبارات النفسية و ظهور علم النفس التجريبي والمدرسة السلوكية .وظهرت أول مؤسسة للعلاج النفسي في الوطن العربي في سوريا 1620 وفي مصر 1880م.

اقرا ايضا تعريف العلاج النفسي 

المصادر و المراجع 

عائشة عبد العزيز نحوي . محاضرات مقياس العلاجات النفسية .شعبة علم النفس . جامعة محمد خيضر بسكرة . الجزائر