نظريات الصلابة النفسية

النظريات المفسرة للصلابة النفسية

ان الصلابة النفسية عامل حيوي اساسي من عوامل الشخصية في مجال علم النفس و هي عامل رئيسي في تحقيق الصحة النفسية و تحسين التوازن النفسي و المحافظة على السلوكيات السوية ، و اكدت العديد من البحوث و الدراسات ان الصلابة النفسية موضوع لابد منه في معرفة كيفية تعامل الناس مع الاضطرابات النفسية و احداث الحياة اليومية الضاغطة ، و ذلك ما جعل الصلابة النفسية مجالا خصبا للنظريات العلمية والبحث المستمر ، و من بين اهم النظريات التي تطرقت الى موضوع الصلابة النفسية ما يلي :

نظرية كوبازا Kobasa في الصلابة النفسية

قدمت الباحثة الأمريكية سوزان کوبازا مصطلح الصلابة النفسية للمرة الأولى عام 1979 في مقالة بعنوان “أحداث الحياة الضاغطة، الشخصية والصحة: تحقيق للصلابة النفسية. وهي ترى أن تعرض الأفراد للضغوط أمر حتمي لا مفر منه، فالحياة مليئة بالصعوبات والعقبات والنكسات والظروف الصعبة، والأفراد لا يستطيعون تجنب الفشل أو الإحباط أو الشعور بالاغتراب، ولا يمكنهم الهروب من متطلبات التغير في النمو الشخصي في أي مرحلة من مراحل الحياة المعاصرة.

وقد صاغت “کوبازا” نظريتها في الصلابة النفسية من خلال اعتمادها على نتائج سلسلة من الدراسات التي أجرها في أعوام (1979، 1982، 1983، 1989). وهدفت إلى معرفة المتغيرات النفسية والاجتماعية التي تكمن وراء احتفاظ الأشخاص بصحتهم الجسمية والنفسية على الرغم من تعرضهم للضغوط.

و أجريت هذه الدراسات على عينات متباينة الأحجام والنوعيات من شاغلي المناصب الإدارية المتوسطة والعليا، ومن المحامين، ورجال الأعمال .

فقد أجرت “کوبازا” عام (1982) دراستها الأساسية بعنوان “الصلابة النفسية وعلاقتها بتخفيف وقع الأحداث الضاغطة على الصحة الجسمية والنفسية”.

وقد هدفت هذه الدراسة لمعرفة أثر الصلابة النفسية ومكوناتها، في تخفيف وقع الأحداث الضاغطة على الصحة الجسمية والنفسية.

وتكونت عينة الدراسة من عينات متنوعة من شاغلي المناصب الإدارية المتوسطة والعليا والمحامين ورجال الأعمال، وقد بلغ عدد أفراد العينة 259 بمتوسط عمر بلغ 40 عاما.

وتم تطبيق مقياس الصلابة النفسية من إعداد “کوبازا” ، وأحداث الحياة الحرجة من إعداد “هولمز وراهي”، ومقياس الصحة والمرض من إعداد “وایلر، وماسودا، وهولمز”، ومقياس حالة الاستعداد الوراثية في الشخصية، ومقياس مصدر الضبط، ومقياس الاغتراب عن الذات وعن العمل لقياس الالتزام، ومقياس الأمن ومقیاس المعرفية.

وتوصلت نتائج هذه الدراسة إلى أن الصلابة النفسية بأبعادها الثلاثة، لا تخفف من وقع الأحداث الضاغطة على الفرد فقط، بل تمثل مصدرا للمقاومة والصمود والوقاية من الأثر الذي تحدثه هذه الأحداث في الصحة الجسمية، في مقابل الشعور بالإغتراب، والتحكم في مقابل الضعف، والتحدي في مقابل الشعور بالتهديد، ووجود ارتباط دال بين بعدي الالتزام، والتحكم، والإدراك الإيجابي والواقعي للأحداث الحياتية الشاقة، وكذلك أساليب التعايش الفعالة.

كما أشارت النتائج إلى دور بعض المصادر الاجتماعية في الوقاية من الإصابة بالاضطرابات، كالمساندة الاجتماعية في محيط الأسرة ولكن مع اقترانها بعدد من المصادر الشخصية كالصلابة النفسية .

لقد اقترحت کو بازا نظرية متقدمة في مجال الوقاية من المرض النفسي والجسمي، بعد أن لاحظت أن بعض الناس يستطيعون تحقيق ذواتهم وإمكاناتهم الكامنة على الرغم من تعرضهم لكثير من الإحباطات والضغوط، وأن كثيرا من الأفراد لا يمرضون بسبب تعرضهم للضغط النفسي.

وقد افترضت أن السبب الكامن وراء ذلك هو الصلابة النفسية التي تخفف من آثار الأحداث الضاغطة على الفرد، فالأفراد ذوو الصلابة النفسية المرتفعة يواجهون الضغوط دون أن يتعرضوا للإصابة بالمرض النفسي أو الجسمي.

و عملت كوبازا على تأكيد فروض نظريتها حيث توصلت إلى أن الأشخاص الأكثر صلابة هم الأكثر صمودة ومقاومة وإنجاز، وضبط داخليا ونشاطا وواقعية .

تأثرت کوبازا بالاتجاه المعرفي ل”لازاروس” الذي يرى أن أحداث الحياة الضاغطة مهمة في تحديد أسلوب تكيف الإنسان، فتقييم الفرد لقدراته بشكل سلبي واعتبارها ضعيفة وغير ملائمة للتعامل مع المواقف الصعبة، أمر يشعره بالتهديد، ومن ثم يؤدي به إلى الشعور بالإحباط.

كما تتفق “كوبازا” مع “لازاروس” في أن الجو الأسري القائم على الاحترام والتواصل والتقدير والتشجيع، يجعل الطفل يشعر بالأمان والقيمة الذاتية ويجعله أكثر تحملا للمسؤولية وأكثر قدرة على تحقيق أهدافه في مراحل حياته.

كذلك تأثرت “کوبازا” بأعمال “ماكوبي” Maccoby، التي أوضحت دور البيئة الأسرية في تكوين سمة الصلابة النفسية، فالعلاقات الأسرية التي تتسم بالدفء والقبول والاهتمام بالطفل والثقة فيه والإحترام والتقدير، تنمي لديه الاعتقاد بأن خبرات النجاح والفشل ترجع لعمله ومجهوده ومدى مثابرته وتحديه

للأحداث الشاقة التي تحيط به .

وقد فسرت “کوبازا” و”مادي” الأسباب التي تجعل من الصلابة النفسية مصدرا للتخفيف من حدة الضغوط، وأشارا إلى أن الأشخاص ذوي الصلابة النفسية أكثر مقاومة للأمراض التي تسببها الضغوط، ويرجع ذلك إلى أسلوب تفكيرهم التكيفي الذي يؤدي إلى خفض مستوى الإثارة الفسيولوجية لديهم. بالمقابل، تقود الأحداث الضاغطة إلى استثارة الجهاز العصبي الذاتي Autonomic Nervous System، ويؤدي الضغط المزمن إلى الإرهاق الذي يترافق مع الأمراض الجسمية والاضطرابات النفسية.

وهنا يتضح دور الصلابة النفسية في تعديل هذه العملية الدائرية التي تبدأ بالضغط وتنتهي بالإرهاق،

ويتم ذلك من خلال طرق متعددة:

-تعدل الصلابة من إدراك الأحداث وتجعلها تبدو أقل وطأة .

– تؤدي الصلابة إلى أساليب مواجهة نشطة.

– تؤثر الصلابة في أسلوب المواجهة من خلال تأثيرها في الدعم الاجتماعي.

– تغير الصلابة العادات الصحية مثل اتباع نظام غذائي صحي وممارسة الرياضية، وهذا ما يؤدي إلى تقليل الإصابة بالأمراض الجسمية .

وهكذا، توصلت “کوبازا” Kobasa إلى عدد من النتائج التي ساعدتها على صياغة أسس نظريتها في الصلابة النفسية، وهي:

اولا :إن التعرض لأحداث الحياة الشاقة أمر ضروري وحتمي لارتقاء الفرد ونضجه الانفعالي والنفسي والاجتماعي.

ثانيا :إن الشخصية التي تتسم بالصلابة النفسية لديها مستوى عال من القدرة على تحمل الآلام والمشاق والصمود والتوافق والتعامل مع ضغوط الحياة المختلفة .

ثالثا : إن الصلابة النفسية مكتسبة أكثر منها فطرية بناء على نتائج الدراسات التي أجرتها، والتي تضمنت مقابلات

رابعا : إن الصلابة النفسية مكتسبة أكثر منها فطرية بناء على نتائج الدراسات التي أجرها، والتي تضمنت مقابلات عن تاريخ الحياة المبكرة للموظفين المشاركين

وقد أوردت “کوبازا” مجموعة من المتغيرات التي تساعد على ظهور الصلابة النفسية وتعزيزها، وهي: الوراثة، والتدين، والدعم النفسي والاجتماعي، والمستوى الاقتصادي المرتفع، والرعاية الطبية، والتعلم الاجتماعي، والنموذج الإيجابي ، وهي ترى أن الصلابة النفسية تنشأ في مرحلة الطفولة، حيث يتعرض الفرد للخبرات المتنوعة التي تشكل شخصيته وتعززها

وتجدر الإشارة إلى تشابه بين مفهوم الصلابة النفسية الذي قدمته الکو بازا” (1989) ومفهوم “حس التماسك” Sense of Coherence الذي قدمه “أنتونوفسکی” . Antonovsky, A  (1989)، الذي انطلق بدوره من السؤال المحوري التالي : لماذا يبقى بعض الأفراد أصحاء، بغض النظر عن المواقف الضاغطة والمصاعب الحادة، في حين لا يتمكن الآخرون من ذلك؟

وقد بينت نتائج دراسات “أنتونوفسكي” أن السبب وراء ذلك يكمن في أن بعض الأفراد يمتلكون ما

يسمى “حس التماسك”، الذي يتكون من ثلاثة مكونات أساسية هي: القابلية للفهم، والاستیعاب، والقابلية للتأثير والامتلاء بالمعنى، إلى جانب أنهم يتمتعون بمصادر مقاومة عامة GRRs ) General Resistance Resources) مثل المال، والذكاء، وتقدير الذات، والتوجيه الصحي الوقائي، والدعم الإجتماعي، والأساس الثقافي

خلاصة نظرية أن کوبازا للصلابة النفسية

Kobaza بينت الصلابة النفسية بأنها استعداد صحي في الشخصية يتضمن ثلاثة مكونات، هي: الالتزام، والتحكم، والتحدي. والشخص الصلب نفسي هو الذي يرى الحدث الضاغط على أنه ذو معنی ومثير للاهتمام (الالتزام )، ويرى نفسه قادرة على تغيير الأحداث (التحكم)، كما يدرك التغيير على أنه أمر طبيعي وفرصة للنمو (التحدي).

وأكدت “کوبازا” أن السمات المعرفية للصلابة تساعد الفرد على إدراك الأحداث الضاغطة وتفسيرها بطريقة أقل عديدة وأكثر تفاؤلا، وهذا ما يخفف من آثارها الخطيرة عليه.

وتتمثل الآليات السلوكية للصلابة النفسية في تعزيز أساليب التعامل مع الضغوط، ومواجهتها بفعالية، والتفاعل معها تفاع؟ إيجابية بهدف تحويلها إلى فرص للتعلم والنمو. (1)

و فيما يلي عرض لشكل يوضح تاثير الصلابة النفسية على الفرد ، و توضح منظورا جديدا للمتغيرات البناءة في علم النفس الحديث

يوضح الشكل التالي  تاثيرات المباشرة و غير المباشرة للصلابة النفسية

يوضح الشكل تاثيرات المباشرة و غير المباشرة للصلابة النفسية

 

يوضح الشكل الثاني  التاثيرات المباشرة لمتغير الصلابة النفسية . (2)

التاثيرات المباشرة لمتغير الصلابة النفسية

 

اقرا ايضا خصائص الشخصية المتمتعة بالصحة النفسية

نظرية فنك في الصلابة النفسية

تعد نظرية فنك معدل لنظرية كوبازا ، لقد ظهر حديثا في مجال الوقاية من الإصابة بالاضطرابات أحد نماذج الحديثة، الذي أعاد النظر لنظرية “كوباسا” وحاول وضع تعديلات لها، وهذا النموذج قدمه “فنك”.

وقد تم تقديم هذا التعديل من خلال دراسته التي أجراها بهدف “بحث العلاقة بين الصلابة النفسية والإدراك المعرفي والتعايش الفعال من ناحية، و الصحة العقلية من جهة أخرى”، وذلك على عينة قوامها 167 جنديا إسرائيليا.

واعتمد الباحث على المواقف الشاقة الواقعية في تحديده لدور الصلابة، وقام بقياس متغير الصلابة والإدراك المعرفي للمواقف الشاقة و التعايش معها قبل الفترة التدريبية التي أعطاها للمشاركين والتي بلغت : 06 أشهر .

وبعد انتهاء الفترة التدريبية توصل “فنك” إلى ارتباط مكوني الالتزام والتحكم بالصحة العقلية الجيدة للأفراد، فارتبط الالتزام جوهريا بالصحة العقلية من خلال تخفيض الشعور بالتهديد واستخدام إستراتيجيات التعايش الفعال خاصة إستراتيجية ضبط الانفعال.

كما ارتبط بعد التحكم إيجابيا بالصحة العقلية من خلال إدراك الموقف على أنه اقل مشقة، و استخدام استراتيجية حل المشكلات للتعايش.

وقام “فنك” بإجراء دراسة ثانية ، وذلك عام (1995) لها نفس أهداف الدراسة الأولى، وذلك على عينة من الجنود الإسرائيليين أيضا، ولكنه استخدم فترة تدريبية عنيفة لمدة 4 أشهر، وبعد الانتهاء منها، تم التوصل النفس نتائج الدراسة الأولى، فطرح “فنك” نموذجه ويوضحه الشكل التالي:

نظرية فنك  المعدل نظرية كوباسا للتعامل مع المشقة وكيفية مقاومتها

الشكل يوضح نظرية فنك  المعدل نظرية كوباسا للتعامل مع المشقة وكيفية مقاومتها . (2)

نظرية مادي Maddi في الصلابة النفسية

ظهرت التصورات الأولى للصلابة النفسية عام 1967 في أعمال عالم النفس الأمريكي “سيلفاتور مادي” Maddi وهو الأستاذ المشرف على “کوبازا” في الدكتوراه.

وقد برزت كتاباته عن “الهوية المثالية والشخصية السابقة للمرض” The Ideal Identity & Premorbid Personality ، حين برهن أن الحالات المزمنة من فقدان المعنى والاغتراب في الوجود الإنساني أصبحت من الملامح النمطية للحياة الحديثة، والتغيرات في الثقافة والمجتمع، والتطور التكنولوجي، حيث أصبح لدى الناس هويات يتم تحديدها بناء على أدوارهم الاجتماعية

يتصف “مادي” بإسهاماته الكبرى في مجال الصلابة النفسية، وكانت البداية عندما أجرى مع طلابه في جامعة شيكاغو، دراسة طولية امتدت 12عاما (1981- 1993) في شركة “بيل” للهاتف IBT.

ففي عام 1981۱، قررت الشركة تخفيض عدد موظفيها إلى النصف، ونتيجة لذلك واجه من بقي من الموظفين تغيرات في التوصيف الوظيفي، وفي أهداف الشركة وفي المشرفين عليهم في العمل.

وقد قام “مادي” وفريق بحثه بدراسة عميقة على عينة من (400) فرد قبل تخفيض عدد الموظفين وبعده وقد أظهرت النتائج أن ثلثي أفراد العينة يعانون من تراجع في الأداء والمهارات القيادية، واضطرابات صحية مثل النوبات القلبية، والسكتة القلبية، والبدانة، والإكتئاب، وتعاطي المخدرات نتيجة التعرض للضغط الشديد وأحيانة الوفاة في بعض الحالات.

بالمقابل، فإن الثلث الآخر من العينة، ضم الموظفين الذين تعرضوا للضغوط الشديدة وللتغيرات الحادة ذاتها التي تعرض لها زملاؤهم الموظفون، إلا أنهم حافظوا على صحتهم وعلى أدائهم الجيد وشعروا بحماسة متجددة وهنا برز التساؤل الآتي: ما السبب الذي أدى إلى اختلاف هاتين المجموعتين؟

وفي إطار رده على هذا التساؤل، وجد “مادي” أن الأفراد الذين استمروا وواجهوا الضغوط، قد حافظوا على ثلاثة اعتقادات أساسية ومهمة ساعدهم على تحويل هذه الضغوط من محنة إلى فرصة للحياة، وهذه الاعتقادات هي المفاتيح الثلاثة المتمثلة في: الالتزام والتحكم والتحدي.

فقد قادهم الالتزام للسعي بجد على خوض الأحداث التي تحدث بدلا من تجنبها والشعور بالعزلة، كما قادهم التحكم إلى مواجهة الصراع ومحاولة التأثير في النتائج، وذلك بدلا من السلبية والاستسلام والضعف، كذلك قادهم التحدي إلى إدراك التغيرات الناتجة عن الضغوط  سواء أكانت إيجابية أم سلبية على أنها فرص جديدة للتعلم، وكل ذلك يؤدي إلى النضج

إن مستوى الصلابة النفسية هو الذي يحدد كيف نستجيب لضغوط الحياة، فالفروق التي ظهرت بين الموظفين في شركة “بيل” للهاتف أكدت الملامح الأساسية الثلاثة التي تكون الصلابة النفسية: (الالتزام، والتحكم، والتحدي)، والتي برزت خصائص الأساليب مواجهة الضغوط، وتم اختبارها وتقييمها في مجالات متعددة شملت إدارة الأعمال والحروب والمدارس والعيادات الطبية، وأثبتت فعاليتها في مساعدة الأفراد على الازدهار خلال الأوقات الصعبة

خلاصة نظرية مادي للصلابة النفسية

Maddi يرى أن الصلابة النفسية بناء شخصي مكون من ثلاثة أبعاد متداخلة ومتفاعلة: فالشخص الملتزم يبقى منخرطا فيما يقوم به، ودائما ما يجد الطريقة الأفضل لتحويل خبرته إلى خبرة مثيرة للاهتمام وذات معنى، والشخص ذو التحكم المرتفع يبحث عن التأثير في المعطيات الصعبة الناجمة عن الضغوط، ويتعلم الشخص ذو التحدي المرتفع من خبراته ،وتكون هذه الأبعاد الثلاثة المكونة للصلابة النفسية تركيب يزود الفرد بالشجاعة من أجل تحويل الظروف الضاغطة من مصائب إلى فرص للنمو الشخصي. (1)

نموذج بارتون في الصلابة النفسية 

“بول بارتون ” Bartone کولونیل متقاعد في الجيش الأمريكي وباحث في المركز الوطني للتكنولوجيا والأمن القومي في معهد الدراسات الاستراتيجية الوطنية بكلية الدفاع الأمريكية.

وباعتبار أنه باحث في مجال علم النفس العسكري، فقد ركز ” بارتون” في أبحاثه على فهم الإستجابات الصلبة تجاه الضغط النفسي وقياسها لدى الجنود، وتحديد المؤشرات الحيوية الكامنة،

وتطبيق هذه المعرفة على تحسين برامج التنمية

أجرى “بارتون” الكثير من الدراسات والأبحاث التي أسهمت في تطوير نظرية الصلابة النفسية بشكل كبير، مستند إلى النظرية التي وضعتها “کوبازا” و” مادي” ، وتبني المفاهيم المرتبطة بهذه النظرية، واستند إليها في أبحاثه النفسية في المجالات العسكرية والأمنية والتنظيمية.

وقد اعتمد “بارتون ” تعريف “کوبازا” و”مادي” للصلابة النفسية بأنها ترکیب ثلاثي في شخصية

الفرد يمكن اكتسابها وتعزيزها، مشيرا إلى أن تعزيز الصلابة النفسية يؤدي إلى تحقيق مستوى مرتفع من الصحة ومن الأداء، بالإضافة إلى الوقاية من المشكلات المرتبطة بالصحة والضغط النفسي

انطلق “بارتون ” من مبدأ مفاده أن الأفراد في الوقت الحالي يعملون في بيئات معقدة ومتغيرة، وهذا ما يؤدي إلى مستويات متزايدة من الضغط النفسي، التي تؤدي بدورها إلى إصابة كثيرين بمشكلات صحية ومهنية وفي المقابل يبقى آخرون أسوياء وأقوياء وصامدين تحت الضغط النفسي.

والتساؤل المطروح هنا هو ذاته التساؤل الذي انطلقت منه “کوبازا” و “مادي”: ما الذي يؤدي بهؤلاء الأفراد إلى الصمود تحت وطأة الضغوط؟ وجد في الإجابة عن هذا التساؤل، أجرى “بارتون”

سلسلة أبحاث في الأكاديمية العسكرية الأمريكية وعدد من الكليات الحربية الأوروبية، وأظهرت النتائج أن الجنود الذين اتصفوا لابمستوى مرتفع من الصلابة النفسية أظهروا قدرات مرتفعة ومميزة. وتفسير ذلك أنه كلما ارتفع مستوى الصلابة النفسية، ازدادت قدرة الجنود على خوض المعارك وأداء المهام ومواجهة الضغوط دون أن يظهروا آثار صحية سلبية رغم وطأة ضغوط الحروب والعمليات القتالية .

يؤكد “بارتون” أن الصلابة النفسية سمة من سمات الشخصية التي تميز الأشخاص الذين يحافظون على صحتهم تحت الضغوط عن الأشخاص الذين تظهر لديهم مشكلات صحية تحت الشروط الضاغطة ذاتها فالأشخاص ذوو الصلابة النفسية يمتلكون حسا قوية بالحياة، والتزاما، وشعورا أكبر بالسيطرة، وانفتاحا أكثر للتغيير و يفسرون الخبرات الضاغطة على أنها مظهر عادي من مظاهر الوجود، وجزء مثير من الحياة ، وهم يتميزون بالشجاعة في مواجهة الخبرات الجديدة وكذلك في مواجهة الإحباطات وخيبات الأمل، ويميلون إلى المنافسة، ويمتلكون كفاءة عالية وصمودة قوية عند الاستجابة للظروف.

ويرى “بارتون” أن الأفراد ذوي المستويات العالية من الصلابة النفسية يظهرون التزاما أعظم، ويمتلكون حسا عالية بالالتزام تجاه الحياة والعمل، وينخرطون بنشاط في الأحداث التي تجري حولهم، وهذا يعني أن الحياة بالنسبة إليهم ذات معنى وذات قيمة وتستحق أن تعاش.

كذلك يتميزون بالتحكم وهو الاعتقاد في القدرة على الاختيار والتأثير في المستقبل، إلى جانب التحدي وهو اتجاه للتغيير في الحياة باعتبارها أمورا مثيرة وممتعة، ويستمتعون بالمواقف الجديدة والتحديات، ويتمتعون بالحماسة ويمتلكون دافعية داخلية، ويخلقون المعنى الخاص بهم.

وقد أكد “بارتون” وجود خصائص نفسية تسهم في إيجاد الصلابة النفسية وتعزيزها، إلى جانب عوامل أخرى تؤثر على الطريقة التي يتصرف بها الأفراد ويستجيبون بها للمواقف.

ويمكن تصنيف هذه العوامل إلى عوامل فردية مثل: الخلفية الاجتماعية، والظروف الأسرية، وشخصية الفرد، وخبراته السابقة، ومستوى الذكاء، والصحة الجسمية، إضافة إلى عوامل مرتبطة ببرامج التدريب والتربية التي تؤثر في الأفراد بطرق متعددة، إلى جانب عوامل مهنية وتنظيمية .

وقد أطلق “بارتون” فكرة قائمة على اعتبار الصلابة النفسية “نظرة للعالم” Worldview أكثر منها سمة من سمات الشخصية، وبعد ذلك إطار أكثر عمومية يستطيع الأشخاص اعتماده مسير خبرات حياهم بأكملها.

وهكذا تكون الصلابة النفسية نمط عاما من الوظائف التي تتضمن المظاهر المعرفية، والانفعالية، والسلوكية، التي تميز الأشخاص الذين يبقون أصحاء وأسوياء تحت وطأة الضغط النفسي

إلى جانب ذلك، أورد “بارتون” فكرة مهمة عن الصلابة النفسية باعتبارها عامة وقائية ضد الأمراض المرتبطة بالضغط النفسي، وهي ما اتفق العلماء على تسميتها “سیکوبيولوجية الصلابة” Psychobiology of Hardiness  ذلك أن الضغط النفسي – الاجتماعي عامل خطر لنشأة المشاكل الصحية وتطورها، ومن ضمنها أمراض الشريان التاجي للقلب الذي يعد السبب الأول المؤدي إلى الوفاة في العالم. فإلى جانب الكثير من عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل: البدانة، والنظام الغذائي، والعادات الصحية الخاطئة، يبرز عامل الضغط النفسي كعامل أساسي في هذه الأمراض .

وقد قام علماء النفس بالبحث عن هذه المتغيرات واتضح لهم دور الصلابة النفسية في الوقاية من أمراض القلب .وظهر عدد كبير من الدراسات في هذا المجال، منها على سبيل المثال دراسة “هوارد وزملاؤه” .Howard et al التي أظهرت أن الأشخاص ذوي الصلابة المرتفعة يستجيبون فسيولوجيا أقل من غيرهم للضغط النفسي .

كما أظهرت نتائج دراسات أخرى أن الأفراد ذوي الصلابة النفسية المرتفعة يتمتعون بجهاز مناعة متين وصلب، مثل دراسة “دولبيه” وزملائه (2001) .Dolbier et al عن العلاقة بين الصلابة النفسية وبين مستويات الهورمونات والناقلات العصبية – الكيميائية، والتي بينت نتائجها وجود ارتباط وثيق بين مستوى الصلابة النفسية وكفاءة عمل جهاز المناعة

خلاصة نظرية  بارتون للصلابة النفسية

Bartone  قد استنتج أن الصلابة تتعدى كونها سمة من سمات الشخصية لتكون تركيب أكثر شمولا: إنها أسلوب أو نمط يميز الشخصية ويتضمن خصائص معرفية وانفعالية وسلوكية وبيولوجية هذا النمط العام من الصحة والأداء يؤثر في الطريقة التي يرى بها الفرد نفسه والتي بواسطتها يتفاعل مع العالم المحيط به. (1)

 

المراجع 

(1) هلكا عمر علاء الدين . (2016) . الصلابة النفسية و علاقتها بكل من تحمل الضيق و الابعاد الاساسية للشخصية لدى عينة من المراهقين اللبنانيين pdf . اطروحة دكتوراه في علم النفس . جامعة بيروت العربية .

(2) بوجمعة حافظ و اخرون . (2019 ) .مؤشرات الصلابة النفسية لدى المرضى الراشدين المصابين بداء السكري . مذكرة ليسانس علم النفس العيادي pdf .جامعة محمد بوضياف المسيلة .الجزائر .